محمد بن عبد الله الصفار

162

رحلة الصفار إلى فرنسا

ويدفعه جاء قاصدا لذالك ، وبمجرد وصوله يشرع في الفعل ، وهكذا كل مدفع وخدمته . والحاصل كل واحد منهم له شغل معين لا يفعل غيره ، وكل طائفة لها مدفع معين لا تباشر إلا هو . فإذا صاح به كبيره فلا يحتاج أن يأتيه ويقف ويقول له ما أفعل ، أو يذهب اثنان لأمر واحد يقوم به واحد وحده ، أو تذهب جماعة لمدفع واحد ويبقى الآخر لا يذهب إليه أحد ، لأن ذلك كله عطلة وهو خلاف الحزم . فبمجرد ما صاح بهم كبيرهم المذكور ، جاءوا وجبذوا المدافع من طيقانها وعمروها وأخلوها في لحظة ، لأن ذلك كله فعل رجل واحد . ثم عادوا أيضا وعمروا تلك المدافع وأخلوها في لحظة . ولا تسمع مدفعا واحدا ، إنما تسمع كالرعد المتتابع ، ثم عادوا وعادوا ، وكل ذلك في أسرع زمان . ومدار ذلك كله على الضبط والحزم والاعتناء التام وعدم الغفلة في الأمور . وإلا فليست لهم قوة في أبدانهم ليست لغيرهم ، بل ربما كانوا أضعف من غيرهم في ذلك ، وإنما الذي لهم الاعتناء والترتيب الحسن ووضع الأشياء في محلها ، ويبنون أمورهم كلها على أصح أساس ، ويستعدون للأمور قبل وقوعها ، ولا يعرف حقيقة ذلك إلا من شاهده . ثم بعد أن شفوا الغليل من ذلك ، نزلنا منه وجعلت فلائكنا تدور بنا في المرسى بين المراكب للفرجة والنزهة . وكلما حاذينا مركبا اصطفت عساكره على ظهره بموسيقاهم للسلام علينا حتى استوعبنا ذلك ورجعنا ، فكان فيها من القراسيل نحو الخمسين . وليس للفرنسيس في هذا البحر الصغير مرسى للقراسيل إلا هذه . وله مراسي أخر في البحر الكبير من الوجه الآخر لأن بره يطل على البحرين معا . وكانت إقامتنا في هذه البلدة يوما كاملا بدون يوم الدخول والخروج ، فخرجنا منها وسرنا لمرسيليا فبلغناها في ست ساعات . وبالله سبحانه التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق .